محمد عبد الله دراز

67

دستور الأخلاق في القرآن

حتّى يخصب المسلمون » « 1 » . لم يكن عمر وحده في هذا الموقف ، بل كانت الأمّة كلّها تواجهه بشجاعة ، وصبر ، ومعالجة ، حتّى انجلت الأزمة ، واستغنى النّاس عن ربط الحجارة على البطون ، ولم يسجل التّأريخ حالة تذمر واحدة ، أو حتّى نكتة واحدة تشنع بسياسة الدّولة ، أو شكوى واحدة من اختفاء الخبز ، أو الإدام ، بل إنّ النّاس لم يزدادوا مع الأزمة إلا استمساكا بأخلاقهم ، وحرصا على أداء واجباتهم ، وصبرا في البأساء ، والضّراء وحين البأس . ولقد أوقف عمر رضي اللّه عنه ، فيما يذكر التّأريخ ، تطبيق حدّ السّرقة آنذاك « 2 » ، ترفقا بالمضطرين إليها من أجل الإبقاء على حياتهم ، ومع ذلك لم يذكر التّأريخ أنّ الجائعين تحولوا إلى لصوص ، أو أنّ القادرين أصبحوا مستغلين ، أو محتكرين ، فقد كانت أخلاق الجماعة الإسلامية أقوى من قرص الجوع ، وأمنع من أن تزلزلها أزمة تموينية . في هذا الضّوء الرّباني نستطيع أن تقرر حاجة مجتمعنا العربي إلى ثورة أخلاقية تدعم الثّورة الاشتراكية ، وتعالج ما أحدثت من مشكلات اجتماعية ، نتيجة عدم التّوازن في حركة الإصلاح الّذي تم حتّى الآن .

--> ( 1 ) هكذا ورد القول : ( عن أسلم عن أبيه قال : أصاب النّاس سنة غلا فيها السّمن ، وكان عمر يأكل الزّيت فيقرقر بطنه فيقول : قرقر ما شئت فو اللّه لا تأكل السّمن حتّى يأكله النّاس ) . انظر ، السنن الكبرى للبيهقي : 9 / 42 ، الزّهد لابن أبي عاصم : 1 / 120 . ( 2 ) لا قطع في عام المجاعة ، ولا قطع في عام السّنة ، ولم يفصلوا . انظر ، المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي : 10 / 242 ح 18990 ، المحلى : 11 / 343 ، تلخيص الحبير : 4 / 70 ، الخلاف : 5 / 432 .